الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

295

مناهل العرفان في علوم القرآن

القائمة ، التي تجعل نفوسهم مستشرقة لقضاء اللّه فيها ، متعطشة إلى حديث رسوله عنها ، فينزل الكلام على القلوب وهي متشوّفة ، كما ينزل الغيث على الأرض وهي متعطشة ، تنهله بلهف ، وتأخذه بشغف ، وتمسكه وتحرص عليه بيقظة ، وتعتز به وتعتدّ عن حقيقة ، وتنتفع به وتنفع ، بل تهتزّ به وتربو وتنبت من كل زوج بهيج ! ! . العامل التاسع اقتران القرآن دائما بالإعجاز ، واقتران بعض الأحاديث النبوية بأمور خارقة للعادة ، تروع النفس ، وتشوق الناظر ، وتهول السامع . وإنما اعتبرنا ذلك الإعجاز وخرق العادة من عوامل حفظ الصحابة ، لأن الشأن فيما يخرج على نواميس الكون وقوانينه العامة ، أن يتقرّر في حافظة من شاهده ، وأن يتركز في فؤاد كل من عاينه فردا كان أو أمة ؛ حتى لقد يتخذ مبدأ تؤرخ بحدوثه الأيام والسنون ، وتقاس بوجوده الأعمار والآجال . أما القرآن الكريم فإعجازه سار فيه سريان الماء في العود الأخضر ، لا تكاد تخلو سورة ولا آية منه . وأعرف الناس بوجوه إعجازه ، وأعظمهم ذوقا لأسرار بلاغته ، هم أصحاب محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، لأنهم يصدرون في هذه المعرفة وهذا الذوق عن فطرتهم العربية الصافية ، وسليقتهم السليمة السامية ، وتمهرهم في فنون البيان وصناعة اللسان . ومن هذا كان القرآن حياتهم الصحيحة ، به يقومون ويقعدون ، وينامون ويستيقظون ، ويعيشون ويتعاملون ، ويلتذون ويتعبدون . وهذا هو معنى كونه روحا في قول اللّه سبحانه : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا » وليست هناك طائفة في التاريخ تمثل فيها القرآن روحا ، كما تمثل في هذه الطبقة العليا الكريمة طبقة الصحابة الذين وهبوه حياتهم فوهبهم الحياة ، وطبعهم طبعة جديدة حتى صاروا